note

راسكولينكوف

ـ
ـ

أن دستويفسكي يتمتع بقدرة على الخلق بلغت من القوة أن الأشخاص ينبعون نبعاً كأنما على غير إرادة منه , ولابد أن يجدوا لأنفسهم مكاناً في الرواية , فيراهم ويرينا إياهم , يرسمهم ببضعة خطوط تفرض نفسها على الذاكرة فرضاً 0 وهي دائماً على صلة مباشرة بحالة نفسية , ذلك أن النفس الإنسانية هي التي تعنيه وتستهويه وتملك عليه عقله 0 ومن شخصياته راسكولينكوف بطل الجريمة والعقاب , طالب ورجل فكر يؤدي به تفكيره إلى القتل , فليس اجراماً في رأيه قتل كائن مضر " كالعجوز المرابية " في سبيل تأمين امكانيات الحياة الخصبة لإنسان فذ موهوب يشعر بوجوده في نفسه , ليس من حق انسان كنيوتن أو نابليون أن يهلك 0 إلا أن راسكولينكوف لم يستطع أن يستفيد من جريمة وقد حطمه سرة . وعلى أن وخز الضمير ليس هو الذي يدفعه إلى أن يشي بنفسه ويعترف بجريمته , فإنه يظل مقتنعاً بصحة الاستدلال العقلي الذي قاده إلى الجريمة , وأنه ليحتقر ضعف أرادته وخور نفسه . ولم يفهم قانون الحب والشفقة الذي اخترقه إلا في المعتقل إلى جانب حبيبته المسكينه صوفيا . وقد حاول بعض الباحثين أن يعللوا سيطرة الجريمة والعقاب على فكر دستويفسكي بالكبت الفرويدي أو بخطيئة مخبأة , ولعل الفترة التي قضاها في المعتقل قد فرضت على فكره مسألة العلاقات بين المجرم وعمله , ومسألة الجريمة وآثارها في النفس .
ـ
ـ
ـ

اللغة الشرائعية

ـ
ـ




يقال في أصل كلمة " السياسة " أنها مشتقة من " ساس الحصان بمعنى " قاده إلى موقع المال "وهي اشتقاق حسن إذا كان الحصان يريد أن يشرب 0 أما إذا كان السايس هو الذي يرغب في نقلبعض البراميل , فإن كلمة " السياسة " تصبح مشتقة من " الويل للحصان " رغم الاختلاف الظاهربين الحروف إنها نقطة ضعف قديمة في طبيعة كل الكلام0
فاللغة وحدها مثل العكاز وحده أداة تتوكأ عليها عبر جميع الطرق وتدق لك كل الأبواب , لكنها لاتستطيعأن تقودك إلى البيت الذي تقصده , حتى تعرف أنت طريق البيت , وتدق بابه وتقصده 0 إن اللغة لاتقول شيئاً من دون شريعة بموجب هذا القانون ترتبط لغتنا العربية بمصطلحات الشرع الإسلامي ارتباطاً يجعلها غير صالحة للتعبير عن شرع سواه 0 فكلمة عسكري مثلاً تعني في لغتنا رجل يحمل بندقية , لكن كلمة مجاهد هي التي تحدد شرعاً أين يوجه هذا السيد سلاحه 0 وكلمة بنك تعني مكان النقد لكن كلمة بيت مال المسلمين تعني أن النقود ملك الناس وإن أحداً لا ينفق منها فلساً إلا بإذن شرعي من جميع الناس 0 وكلمة رئيس تعني أن الإدارة لها رأس واحدة , لكن كلمة أولي الأمر تعني أن الإدارة لها مجالس مكلفة بها تضم كثيراً من الرءوس0 وكلمةمواطن لا تقول شيئاً عن دستور الوطن , لكن كلمة مسلم تقول أن الوطن دستوره الشورى بينجميع المسلمين 0والفرق الظاهر بين كل كلمة وأخرى أن إحداهما ترجمة لمصطلح إداري ليست له شريعة في واقع العرب والأخرى هي المصطلح الإداري نفسه كما يعرفه العرب في صياغته الشرعية 0فإذا عمد المرء إلى استبدال كلمة بكلمة بحجة أن روح التجديد تحتم استعمال مصطلحات جديدة فإن ذلك لا يضيف شيئاً إلى لغتنا العربية , لايجعلها لغة معاصرة بل يفرغها من محتواها ويجعلها عمياء من دون شريعة , كما كانت ذات مرة في عصر أبي جهل 0
إن استبدال مصطلحات الإدارة الإسلامية بمصطلحات مترجمة عن نظم ادارية أخرى هو أقصر الطرق وأقلها مشقة لإنهاء الحل الإسلامي من أساسه وإعادة العرب أربعة عشر قرناً إلى الوراءبحيلة كلامية سهلة ممكنة سلمية عصرية مميتة واحدة 0 لكن ثمة ملاك حارس على عتبة هذا الباب 0
فاللغة العربية منذ نزول القرآن لغة محررة شرعاً من أهواء السياسيين وأصحاب الرأي 0 إنها لم تعد عكازاً لأحد ولم يعد من الممكن استخدامها للتعبير في نظام اداري آخر سوى نظام الإدارةالجماعية في الإسلام 0 وإذا خطر لأحد ما أن يتجاهل هذا الخندق ويسخر اللغة العربية لاحتواء شرائع سياسية من الشرق أو الغرب فإن العرب من جانبهم لا يتخلون عن مصطلحاتهم القرآنية ولا ينسونها بمرور الزمن , ولا يستبدلون منها كلمة ولا يضيفون إليها كلمة مقابل أية مكافأة أو تحت أي تهديد 0وقد مر حتى الآن أربعة عشر قرناً على نزول القرآن , تفرق العرب خلالها بين الشرائع السياسية غلى شيعة وسنة وخوارج وشعوبيين ورأسماليين وشيوعيين , واختار كل حزب لنفسه هوية0 لكن النسخة الأولى من بطاقة الهوية الأصلية لاتزال حية في صياغتها الصحيحة على شفاههم جميعاً ولا تزال قادرة على جمعهم من جديد تحت إدارة واحدة باسم صحيح واحد في أي وقت يختارونه وفي وجه أي مقاومة , أن البطاقة لا تزال محفوظة بمصطلحاتها الأصلية داخل صدور العرب في سورة الفاتحة وهي صورة ذات مكانة خاصة جداً 0 اختار الرسول عليه الصلاة والسلام موضع الصدارة بين سور القرآن 0 وصنفها المفسرون تحت عنوان ( من مقول العباد ) باعتبارها إنشودة جماعية تبدأ بصيغة أمر تقديره ( قولوا )0
إن مواطننا يعرف ما يقوله ؛ ويقوله علناً؛ وبإصرار 0 وإذا نسى أحياناً أو جعله الشيطان ينسى فإن تعاليم السنة قد فرضتعليه قراءة سورة الفاتحة بالذات دون غيرها من السور قبل كل ركعة ؛ في كل صلاة ؛ في كل يوم ؛ من كل أسبوع ؛ من كل شهر ؛ من كل سنة , في أمرمستديم من رسول الله شخصياً 0 ووراء هذا الحصن الذي يصعب اختراقه تعيش هوية المواطن العربي في مأمن من كل تزوير, تمليه اهواء السياسة , مثل روحفي صدر طائر والطائر في قفص والقفص في الجزيرة والجزيرة بعيدة في ملكوت الله 0 إنها أمانة في لغته نفسها.
لهذا السبب تختلف اللغة العربية عن كل لغة سواها في الشرق والغرب وفي جميع العصور , لأنها ليست وسيلة للتعبير فقط , بل وسيلة للتفاهم أولاً على معنى كل مواطن , ونوع نظام الحكم , وطريقة سير الإدارة في مصطلحات محددة محررة من أهواء المؤسسات , مألوفة على ألسنة الناس , حية , شرعية , متفق عليها بالإجماع 0
والنتيجة الأولى لاستبدال هذه المصطلحات بمصطلحات رأسمالية أو ماركسية , هي أن يصبح العرب فجأة شعباً من الأميين حتى يعاد تعليمهم من جديد , فمخاطبة الناس بمصطلحات لايعرفون لها شريعة في واقعهم , مثل مخاطبتهم بلغة أجنبية , فكرة تحتاج إلى إعادة تأهيل من الصفر.

والنتيجة الثانية أن يتعلم العرب جميع المصطلحات الأجنبية , لكنهم يبقون عرباً عند نقطة الصفر . فلغتهم نفسها مقيدة عضوياً إلى لغة القرآن , وليس بوسعهم أن يفصلوا هذه اللغة عن الإدارة , كما فعلت بقية شعوب العالم , ويجتمعوا في نظام تشريعي قائم على وحدة الأرض أو اللون أو الحزب 0 أنهم - إذ ذاك - يتورطون تلقائياُ في حالة مميتة من حالات انعدام الوزن . بين غدارة من دون شريعة , وبين شريعة من دون إدارة . فمثلاً :
كلمة ديموقراطية التي تعني حكم الشعب كلمة تقدمية براقة بالنسبة لكل مواطن في العالم ماعدا مواطننا العربي الذي لا يعترف شرعاً بغيرحكم الله ولا يستطيع أن يتنازل عن هذا المصطلح بالذات أو يقبل استبداله أو ينساه 0 ومثلاً 0كلمة وطن تعني لغة السياسة أرض الميعاد 0 ولهذا السبب يقول السياسيون أن " الوطن مقدس "0 وتتفق الشرائع السياسية على إباحة التضحية بالناس دفاعاً عن تراب الوطن 0 ورغم أن أحداً في وطننا العربي لا يعارض علناً في إقرار هذه الصياغة , فإن العرب فيلغتهم الشرعية لا يعترفون بقدسية الوطن ولا يموتون طائعين في سبيله بل يموتون في سبيل الله 0 وهي فكرة مختلفة جداً , لأنها قد تعني أن يرفع المواطن سلاحه باسم الشرع في وجه ما يدعي بوطنه المقدس ومثلاً :كلمة حرية تعني في دستورها الرأسمالي حرية البيع والشراء وهي كلمة عصرية خلب لب الشعراء في كل اللغات ,بما في ذلك لغتنا العربية 0 لكن مواطننا العربي شخصياً لايزال اسمه عبدالله وأحياناً عبيد الله وعادة عبد المعين 0 ومثلاً :كلمة اشتراكية تعني في لغة التطبيق , عدم دستورية الملكية الخاصة لوسائل الانتاج , وهو تشريع عمالي يستحيل إقراره سلمياً في مجتمع لا يحكمه العمال , ويتوقف اصداره على إشعال حربطبقية تتولى القضاء على الملكيات الصغيرة والكبيرة , مما جعل الدعوة إلى الاشتراكية ترتبط بالدعوة إلى الثورة المسلحة في جميعاللغات , ومنها العربية 0 رغم أن مواطننا العربي شخصياً - من دون ثورة مسلحة - يردد في دستوره منذ أربعة عشر قرناً أن الملك لله وحده لاشريك له وغن ذلك يشمل ملكية الانتاج 0 مثلاًكلمة دولة تعني أن تكون للدولة حدود وتكون لها هوية و نشيد قومي وعلم مرفوع فوق سارية و قائد يبايعه الناس على القيادة وهي شروط تتوافر لكل دولة في العالم ماعدا الدول العربية بالذات التي ترتفع أصوات المؤذنين خمس مرات كل يوم من أعلى مواقع في المدن و القرى معلنة ولاءها لدولة خفية لا تعترف بحدود أو نشيد قومي أو علم 0
إن أجراس الكنائس تدعو الناس إلى الصلاة , لكن أصوات المؤذنين تدعوهم إلى الصلاة وتغيير نظام الحكم 0 وإذا كانت أجهزة الرقابة السياسية في وطننا لم تصادر المآذن حتى الآن فذلك أمر مرده إلى أنها أولاً لاتعرف لغة الإسلام الإدارية , ولأنها ثانياً أقصر قامة من أقصر مئذنة 0
فمشكلة الإدارة العربية - من دون غيرها من الإدارات في الشرق والغرب وفي جميع العصور - أنها ملزمة بالتعايش مع نص القرآن , وهي مشكلة تشبه أن يضطر لص سيء الحظ إلى أن يسرق ناقوساً 0 فلغة القرآن لغة لإدارة إسلامية ضائعة , سرقتها الإدارة السياسية منذ عصر معاوية لكنها لم تعرف أبداً أين تخفيها لأنها تعيش حية في لغة الناس 0
وعند هذا الزقاق المسدود في حالة مروعة من حالات انعدام الوزن , وقفت الإدارة العربية والمواطن العربي معاً مشلولين عن الحراك منذ إنهاءنظام الإدارة الجماعية على أيدي الأمويين ولا يزالان مشلولين حتى الآن , تفصل بينهما لغتان عربيتان إحداهما لغة حكومية تتحدث عن جهاز إداري من دون شريعة مثل ( حكم الشعب -انتخابات - اشتراكية - برلمان - حرية - الصحافية - الجيش العامل - بنك الدولة ..) والأخرى لغة إسلامية تتحدث عن شريعة من دون جهاز إداري مثل ( الحكم لله - بيت المال المسلمين - وكتب عليكم القتال - وهذا ماكسبت ايديكم - وكلكم راع - والأمر بالمعروف - والنهي عن المنكر ...)
كل لغة منهما تقول شيئاً مختلفاً وتتحدث عن نظام اداري مختلف لكنهما تعيشان معاً في سلام مفتعل جنباً إلى جنب في كل بيت وفي كل شارع على امتداد وطننا العربي خلال مباراة أبدية لشد الحبل بين ادارة لاتعترف بالناس وبين ناس لا يعترفون بالإدارة 0
إن شعرة معاوية القديمة لاتزال تتجاذبها الإدارة الإسلامية والمواطنون المسلمون منذ القرن السابع من دون أن تنقطع في شهادة واضحة على أن معاوية الحكيمقد اختار شعرة خاصة جداً 0 فقد عمد هذا الرجل إلى توجيه ضربته في موقع حساس ومميت من جسم الإدارة الإسلامية 0 وهو المؤتمر الإداري في الجامع الذي اختفى فجأة ولا يزال مختفياً حتى الآن وراء شعائر الصلاة الجامعة في المسجد
ـ
ـ
ـ
ـ

شايلوك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ






ما أعظم اختراع شخصية شايلوك 0 إن شخصيته المعقدة دفعت كل قرن إلى تفسيرها تفسيراً مختلفاً عن تفسير القرن الآخر . مثلوه أيام شكسبير في صورة عجوز كريه مكشر لا يقصد من شخصيته إلا أن يضحك جمهوراً ممن يكرهون اليهود . وفي عهد الرومانطيقيين خففوا من غلوهم وأصبحوا يشفقون عليه بعض الإشفاق, ليس شيلوك بالذكي , ولكنه يبلغ من آلام قلبه وماله وكرامته الإنسانية أننا نكاد نبرر له ما عمد إليه مع أنطونيو من إبرام هذا الوعد الوحشي الذييقضي بإن يؤدي له أنطونيو رطلاً من لحمه . لم يكن ليدور بخلد شكسبير أن الناس ستعجب بيهوديته . لقد فاقه بطله ,لدرجة أن المسرحية كادت أن تسمى باسم شايلوك بدلاً من اسم انطونيو بطل المسرحية " تاجر البندقية " ففي احدى السجلات القديمة سميت المسرحية باسم آخر " يهودي البندقية " هذا راجع إلى القوة الكامنة في الشخصية , فشكسبير جمع فيه كل خصائص اليهود وصفاتهم العامة ففيه منهم الكبرياء , والشح المفرط االذي يقود إلى الجشع , والضعف والذلة . بحق أنه نموذج من الآم اليهود وكراهيتهم .
أما حكاية اقتطاع رطل من لحم الإنسان فهي موجودة في الأساطير الآرية وفي الأدب الشرقي خاصة المصري 0 وقد ظهرت في الأدب الأنجليزي في قصيدة cursor mundi وهي قصة دينية شُرط فيها اقتطاع بضعة من اللحم منغير أن تراق قطرة من الدم 0 ولعل مرد هذا الجزاء القاسي إلى القانون الروماني العنيف الذي يعطي الدائن حق اقتطاع فلذة من لحم المدين 0 وحقيقة أن مجموعة من القصص ظهرت قبل شكسبير تناولت حكاية الرطل من اللحم البشري . كالقصة التي كتبها ألكسندر سلفاين 0
وليس في مسرحيات شكسبير أبطال بلغوا هذه الدرجة من قوة الوضع , لدرجة أن شخصية شايلوك تخطت كونها شخصية ورقية إلى شخصية حية في عالم الجشع والمصالح , وصارت شخصية سياسية بحتة في العصر الحالي 0
ـ
ـ
ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غروب الثقافة

ـ
ـ
غروب الثقافة اليوم ظاهرة عامة , فبمقدار إشراق وتقدم العلوم والمعارف في الغرب وبقدر سيادة التكنولوجياوالصناعة الغربية على العالم بقدر تدهور الفنون والثقافات التي تتدفق علينا من هناك , فما كنا نرى في الماضي من فنون الأوبرا والبالية والمسرح والموسيقى السيمفونية وبدائع النحت والرسم والتصوير , تلك الفنون التي كانت تقود العالم في الثلاثينات والاربعينات وتقدم نماذج رفيعة في الذوق والجمال . انتهت الآن وخرجت من العصر وأخلت سبيلها إلى موجات من العبث والانحلال و سينما العنف و الجنس و الكاراتيه و موسيقى النحاسات و ضجيج الديسكو و أغاني العري و مسرح الهزل و مدارس التجريد و فوضى الألوان والخطوط و عالمنا الثالث يقلد هذه الموجات من القبح و الاسفاف و يظن أنها تقدم . والحقيقة أنها انزلاق إلى الوراء و انتكاس إلى السذاجة و البدائية و الحيوانية وإلى صراخ الغريزة و عواء البهيمة الأولى .
ولن اتحدث عما وراء تلك الموجات وعن الأيدي الظاهرة والخفية التي تعمل على ترويجها , فالمتهمون بلا عدد وهناك من يقول إنها سياسة , وهنالك من يقول إنها تجارة , ومن يقول إنها أيد صهيونية خفية تعمل من خلال دور النشر و هيئات التليفزيون ومؤسسات الانتاج السينمائي وبيوت المسرح و عشرات المتاحف و المعارض و أعمدة النقد الصحفي و مجلات الفن ومن ورائها رؤوس أموال هائلة تنفق بغرض الافساد و اشاعة التلوث الخلقي و الانحدار العام و الغيبوبة الشاملة والمقصودة .
و لا أملك وسائل للتقصي والحسم عن مصادر هذا العفن العام , ولكن الأنف السليمة لا تخطئ رائحة تلك القذارة التي تفوح و تنتشر من بلاد هي بلا شك قد بلغت القمة في العلوم و المعارف و التكنولوجيا و الاختراعات والابتكارات و في عصر بلغ الذروة في كشف الغوامض الكونية والفلك والذرة والهندسة الوراثية و الالكترونيات و الكومبيوتر وعلوم الاتصالات واسلحة التدمير الشامل واسلحة التخابر الرهيبة .
وقد ترافقت تلك القوى العلمية الهائلة مع هذا الانحطاط الثقافي الغريب بشكل أصبح لافتاً للنظر و بشكل يدعو إلى التساؤل , كيف يتزاوج الانحطاط مع هذا التقدم المذهل , إلا أن يكون انحطاطاً مصنوعاً و مدبراً من أوله إلى آخره ومن ورائه تدبير مقصود وهو تساؤل يدعو إلى تساؤل آخر : لماذا نستورد هذه الفنون الهابطة ونشيعها ونذيعها ونتصور أنها تقدمية !! وكيف تخدعنا عيوننا وحواسنا وأذواقنا عن سوء البضاعة ؟ وهناك من يرد قائلاً إن لم تذعها فسوف تذاع عليك رغم أنفك من الأقمار الفضائية . وأجيب عليهم متسائلاً : كم من متسهلكينا الفقراء يملكون اطباقاً فضائية ويعرفون اللغات الأجنبية وهم أميون حتى في لغتهم العربية !! إن من عنده المال والمعرفة باللغات عنده الحصانة التي سوف تحميه وهو مسئول عن نفسه , ولكن كلامنا عن العامة وعن السواد الجاهل المتخلف الذي سوف يقلد ويتخذ كل ما يأتيه من الخواجات قدوة وأسوة , و مسئوليتنا هي عن هؤلاء . ولا أدعو إلى اغلاق الأبواب وتربسة النوافذ ولكني أدعو إلى حسن الانتقاء وحسن الاختيار , وبين المعروض في الاسواق سوف نجد الكثير الجيد . كما أدعو إلى نقد مستنير يقيم الموازين أمام الأذواق المختلة ويقيم المرشحات والفلاتر لتمنع التراب و الدخان و الأبخرة السامة التي تتصاعد من هذه الفنون لكي تحمي العيون والآذان العاكفة على هذه الفرجة ليل نهار . و من عجب أن نسمعهم في فرنسا يحتجون في صحفهم على إقامة مدينة ديزني لاند في ضواحي باريس ويقولون أنه غزو ثقافي امريكي و تصدير للعبث الأمريكي غير مقبول من الشعوب الفرنسية يا سبحان الله . إذا كانوا يقولون في فرنسا هذا الكلام عن هذا اللهو البرىء فماذا نقول نحن عن هذا الغزو الشرس والمستمر لتلك الموجات المتتابعة من الفساد والإفساد.
ـ
ـ
ــ
ــ

لوحة فلسفية

ـــــــــــــــــــــ


صور أحد الرساميين الفيلسوف اللاهوتي توماس اكويناس على كرسي عالٍ, وابن رشد ساقطاً على الأرض أمامه, اشارة لانتصار اكويناس على ابي الوليد , بعد حملة شعواء حملها على ابن رشد بلغ من اشتهارها بين الناس في اووربا 0 المثير في هذه اللوحة الفلسفية حوت على صورتي افلاطون وارسطو , وقد جعلا في مكان قريب من اكويناس وفي يد كل منهما كتاب يصعد منه شعاع إلى رأسه , تعبيراً عن الفائدة التي أخذها من علمهما وفلسفتهما0أما ابن رشد الذي لم يكن له عمل سوى شرح ارسطو فقد جعله المصور الفيلسوف مطروحاً أرضاً كالمغلوب المقهور بعد أن رماه بالالحاد 0 علماً بأن ابن رشد لم يكن ملحداً كما صور لهم , فأن ابن رشد لم يأخذ فلسفة ارسطو عن كتبها اليونانية , بل اخذها معرّبة مخلوطة بما كتبه الإسكندر الافروديسي, وثامسطيوس الإسكندري 0 ثم لم أخذ الافرنج فلسفة ابن رشد لم يأخذوها من كتبه العربية بل اخذوها من المترجمات اللاتينية والعبرانية0 ناهيك بما يقع في هذه السلسة الطويلة من التعريب والترجمة والنسخ من تشويش وابهام , وخلط بين آراء ابن رشد الخاصة وآراء ارسطو وأفلاطون , والافلاطونية الحديثة 0هذا هو سبب الإشكال الفهم الخاطئ لآراء ابن رشد , فهو من أعظم المؤمنين بالله وبيوم الدين 0
ــ
ـ

تقرير غولدستون: كشف المستخبي

ــ
ـ

بعد أن لمست غزه جبهة العدالة في تقرير غولدستون الخاص بالحرب الإسرائيلية الأخيرة , إلا أنه واجهت بعض العقبات عثرت عملية إتمام التصويت , وهذه العقبة متمثلة في السلطة الفلسطينية التي أنقذت إسرائيل من امتثالها أمام المحكمة الدولية بمبررات هي اقرب لسخف , مبررات متعلقة بالاقتصاد الفلسطيني , و أخرى لها علاقة بعملية السلام كما يزعمون 0

رفض إسرائيل لتقرير الأمم المتحدة والتي اعتبرته منحازاُ , جاء من بعده تأجيل التصويت وكأن السلطة الفلسطينية قادرة على حجب رأي إسرائيل بتصريحاتها المناهضة لسلام والقائمة على المصالح المشتركة الواهية وهي أبعد ما تكون عن ذلك 0ويتضمن التقرير عشرات المقابلات والتحقيقات 300 صفحة ،وسيقدم رسميا إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف نهاية الشهر الجاري. مشيراً إلى عدة نقاط منها :
- إطلاق إسرائيل قذائف الفسفور الأبيض على منشآت لوكالة الاونروا0
- ارتكاب القوات الإسرائيلية جرائم حرب وضد الإنسانية , وأنها استخدمت القوة بشكل غير متكافئ أثناء هجومها
- فقد القطاع الكثير من المستلزمات الأساسية أثناء الحصار الذي سبق القصف 0
- استخدام الجنود الإسرائيليين المدنيين دروعاً بشرية لحماية أنفسهم من المقاومة الفلسطينية0
وبعد أن أجهض التقرير من قبل ضغوطات أمريكية على الحكومة الفلسطينية باسم المصلحة 0 هل ستحضى غزة بفرصة أخرى !! أم أن القضية أصيبت بالعقم ولا عودة لفتح الملف !!
ـ
ـ
ـ

نظرية النشوء والإرتقاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ARDI





يقول الرواقيون في نظرية المعرفة " أن الحقيقة تعرف من طريق (الشعور) , فالشيء الحقيقي يبعث فينا شعوراً قوياً ليس لإنكاره سبيل " رغم أن نظريتهم لا تطبق علمياً إلا أن الصواب لامسها, فإيماننا أن الإنسان ليس قرداً وإن كان مأخوذاً من القرآن في قول الله عز وجل : (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) إلا أن شعور فطري يبعث فينا " رفض" النظرية .

البارحة يوم الجمعة 13 /10/1430 هـ - الموافق 2/10/2009 م . نشر خبر إنهيار النظرية الداروينيه ويثبت صدق شعورنا , مفاده أن نظرية داروين النشوء والارتقاء كانت خطأ, قدمها مجموعة علماء اميركيون من جامعتي كين ستيت وكاليفورنيا النقاب عن أقدم أثر معروف للبشر على وجه الأرض وهو هيكل عظمي بشري إثيوبي يبلغ عمره حوالي أربعة ملايين وأربعمائة ألف سنة أطلق عليه اسم "أردي" . قال الباحثون : أن " أردي" واحدة من أسلاف البشر وأن السلالات المنحدرة منها لم تكن قردة شمبانزي ولا أي نوع من القردة المعروفة حاليا.ووصف العلماء الهيكل العظمي الجزئي لأردي وهي أنثى بطول 120 سنتمتر ووزن خمسين كيلوغراما تقريبا، من نوع أرديبيتيكوس راميدوس الذي عاش قبل 4.4 مليون سنة في إثيوبيا .



والحقيقة أن كثير من هواة الفلسفة أو ممن إبتلو بالمذهب المادي , وتفتحت أعينهم على الأراء الجديدة في نظرية النشوء والإرتقاء لم يفهموا آراء دارون , أو لم يطلعوا عليها فأنجرفوا خلف آراء أصحاب المذهب المادي الذين رفضوا قول دارون أن الله هو الخالق لأصل الأنواع . فحملوا نظريته مالم تحتمل ومالم يقله دارون كارتقاء الانسان من القرد 0 والحقيقة ليس في مذهب التحول والتطور ما ينافي الاعتقاد بوجود الله 0 أن خلاصة مذهب دارون في النشوء والارتقاء : أن الاحياء خاضعة لأربعة نواميس : ناموس ( تنازع البقاء ) وناموس ( التباينات بين الافراد ) , وناموس ( التباينات بالأرث ) , وناموس ( الانتخاب الطبيعي ) للفرد الحيالذي تتحقق فيه الأفضلية على سواه بحكم النواميس الثلاثة الأولى .

أما ( تنازع البقاء ) فمعناه : أن الاحياء في تنازع دائم مع الطبيعة , ومع بعضها 0 وفي هذا التنازع إنما يتم الفوز للفرد الذي تؤهله صفاته للغلبة والبقاء . وهذه الصفات كثيرة , ومختلفة بالنسبة للحيوانات والنباتات . فقد تكون الصفة المؤهلة للفوز والغلبة صفة القوة أو الشجاعة أو كبر الجثه أو صغرها أو الجمال أو الذكاء أو الحيلة في دفع الشر وتدبير القوت , أو الصبر على الجوع والعطش أو الجلد على تحمل المؤثرات , أو غير ذلك . فاذا تم الفوز للافراد الذين لهم شيء من هذه الصفات , وانخذل الافراد الذين ليس لهم مايؤهلهم للغلبةكُتب البقاء للصالحين للحياة , وحق الفناء على غير الصالحين . وهذا هو معنى تنازع البقاء .
وأما ناموس ( التباينات بين الأفراد ) فمعناه أن الأجسام الحية ميالة للتباين ببعض صفاتها عن الأصل الذي نشأت منه . ولذلك لايتم التشابه كلّ التشابه بين الآباء والابناء , ولا بين الأصول والفروع , حتى النباتات التي يُخيل الينا أن اجزاءها تامة التشابه هي في الحقيقة متباينه , فلا تجد ورقة تشبه اختها تمام الشبه . ولما كان هذا التباين جزئياً ولا يتناول الامور الجوهرية , فانه يخفي على غير المحققين , ولكن بمرورالدهور الطويلة يظهر التباين ويتكون النوع الجديد0
أما ناموس ( الوراثه ) فهو المتمم لناموس التباينات , لأن التباينات تنتقل بالوراثة من الأصول للفروع , وتكون في أول الأمر جزئية وعرضية , ثم تصبح بعد مرور الأزمنة الطويلة جوهرية وتظهر في الأنواع .
أما ناموس ( الانتخاب الطبيعي ) الذي يرتكز عليه المذهب كله في النتيجة , فخلاصته : أن ناموس الوراثة كما ينقل التباينات ينقل أيضاً جميع الصفاتالتي يحملها الأصل إلى الفرع , مادية كانت أو معنوية أصلية أو مكتسبة , وهذه الصفات منها النافع كالقوة والصحة والذكاء ومنها الضار كالأمراض والعاهات والشذوذ . أما هذه الضارة فتنتهي إلى أحد أمرين : اما أن تتلاشى بتغلب النافعة عليها, وأما ان تتغلب فتؤدي إلى ملاشاة صاحبها بذاته أو بنسله . وأما النافعة فهي التي تجعل صاحبها ممتازراً وفائزاً في معركة تنازع البقاء .
ثم تتوارث الفروع هذه الصفات النافعة جيلاً بعد جيل . وبعد مرور الوف الاجيال يبلغ الامتياز حداً يجعل من الفرد الممتاز نوعاً جديداً . وهذا هو ناموس الانتخاب الطبيعي الذي يراه دارون سبباً لتكوين الأنواع الحية الموجودة اليوم على سطح الأرض .
بالنسبة لأصل الإنسان قرد أيضاً لم يقله دارون , وإن كان مذهبه في أصل الأنواع يحتمل هذا القول . ولكن بعض غلاة الماديين اتخذوا من مذهب دارون وكلامه عن الأعضاء الاثرية وسيلة لنفي الغاية والحكمة في الخلق فانكروا ( الخلق الدفعي المباشر ) الذي ذكرته الكتب المنزلة , وزعموا أن الإنسان أصله من القرود , واستدلوا بالشبه العظيم بين القرد والإنسان في أكثر الأعضاء , وبعض الطبائع كالحيض , وقالوا ان لكثير من الحيوانات كل احساسات الروح كالفرح والحزن والحقد والمودة , ولها شيء من قوة التفكير والمقارنة , واستنتجوا من ذلك أن لها عقولاً وعواطف كالانسانمع الفارق في درجات الرقي . ولكن هؤلاء القائلين بنشوء الإنسان من القرد تحيروا في كيفية انتقال القرد من الحيوانية غلى الانسانية , نقلته الأخيرة , فقال بعضهم انها حصلت فجأة وقال آخرون أنها حصلت بالتدريج , لأن النقلة الفجائية بعيدة جداً لما بين القرد والإنسان في العقلمن الفرق العظيم , وبحثوا عن الحلقة المفقودة في طبقات الأرض فلم يجدوا لها أثراً , ولم يتمكنوا حتى اليوم من البت في تلك النقلة برأي قاطع أو راجح .
المصدر :
* قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والدين لنديم الجسر / بين دارون والجسر
0
0
0

مفهوم فلسفة التمرد

ـ
ـ


تم ترجمة الجانب الأكبر من إنتاج كامي الفلسفي والأدبي0 كما عني أكثر من باحث عربي بدراسة نزعته الفلسفي هو تحليل أعماله الروائية 0 ولكن على حين عرف الناس " كامي الفيلسوف " و " كامي الأديب " فقد ظلوا يجهلون " كامي عالم الجمال " و " كامي فيلسوف الفن "وعلى الرغم من أن فيلسوفنا لم يتحدث عن الفن إلا في كتابيه المعروفين : أسطورة سيزيف" سنة 1942 و " المتمرد" سنة1951 , إلا أن إنتاجه الأدبي ينطوي على ضرب من التطبيق العملي لتلك الفلسفة الجمالية التي بسطها لنا نظريات في هذين الكتابين

" ويقرر كامي منذ البداية وجود صلة وثيقة بين الفنان وفنه , فليس هناك فن منفصل عن صاحبه أو عمل فني مستقل تماماً عن الفنان الذي أبدعه , ومعنى هذا أن الفنان ملتزم بإنتاجه , متحقق من خلاله , مندمج في صميمه 0وحينما يتخذ الإنتاج الفني طابع البناء أو التركيب فإن العمل الفني الذي يقدمه لنا الفنان سرعان ما يصبح بمثابة حلقة في سلسلة فنية ضخمة تسودها - حقيقة فنية واحدة - وإذا كان بعض كبار الفنانين قد يبدون لنا أحياناَ مملين , فإنذلك يرجع إلى أن لديهم حقيقة فنية واحدة يكررونها برتابة في شتى أعمالهم الفنية المتلاحقة"

ونحن نجد كامي يربط الفن بالمواقف الميتافيزيقي للإنسان فيقرر أن الموجود البشري , فيلسوفاً كانأم فناناً - لابد من أن يواجه العبث السائد في الكون بما لديه من حرية , وتمرد , وقدرة إبداعية 0 وليس الموجود البشري "حيواناً متمرداً" لمجرد أنه المخلوق الوحيد الذي يقف في وجه موقفه البشري , متمرداً في الوقت نفسه على الخليقة كلها 0

وحينما ينظر الفنان إلى العالم , فأنه لا يملك سوى التمرد على مافيه من " عبث" أو " لا معقولية " وبالتالي فإنه لا بد من أن يجد نفسه مدفوعاً نحو العمل على تشكيل العالم أو إعادة صباغته , بمقتضى ما لديهمن حرية ابداعية ومعنى هذا أن الفنان إنما هو ذلك الإنسان المتمرد الذي يفرض على العالم شكلاً فنياًمنظماً أو صورة معقولة متسقة0

وحين يقول كامي إن الفن لا يخرج عن كونه صورة من صور " التمرد الغنساني " فإنه يعني بذلكأن الفنان يرفض العالم , وإن كان هذا الرفض خارجاً عن دائرة التاريخ, وبالتالي فإنه صورة نقية خالصة منصور التمرد الإنساني "

وألبير كامي يوافق الفيلسوف الألماني نيتشة على أنه " ليس ثمة فنان يستطيع أن يتحمل الواقع , لأن من طبيعة الفنان أن يضيق ذرعاً بالعالم " ولكنه يضيف إلى ذلك أنه ليس ثمة فنان يستطيع - مع ذلك - أن يستغني تماماً عن الواقع ولئن كان الإبداع الفني في جوهره بمثابة " رفض للعالم " والتماس لضرب من " الوحده ", إلا أن رفض الفنان للعالم هو في الوقت نفسه سعي وراء ذلك العالم الفني الذي يريد أن يخلقه لنفسه , فالفنان لايرفض الواقع إلا بسبب ما يشعر بهمن نقص في صميم العالم الواقعي , ومن ثم فإنه لا ينكره إلا باسم ذلك الواقع الجديد الذي سوف يبدعه , ابتداء من معطيات العالم نفسه0

بيد أننا لو عدنا إلى تاريخ الفكر البشري لوجدنا أن الفنان قد أستهدف لحملات كثيرة من جانب المصلحين الثوريين في كل زمان ومكان فنجد أفلاطون مثلاً يندد ببعض طوائف الفنانين , ويطرد الشعراء من جمهوريته باسم بعض المبادئ الأخلاقية"


ولكنه مع ذلك لك يكن أعنف خصوم الفن , فإنه لم يكد يتجاوز في حملته على الفن الإشارة إلى مافي اللغة من زيف وتضليل , فضلا عن أنه لم ينكر أهمية فنون كالموسيقى والمعمار , ونحن نعرف كيف أعترف أفلاطون بقيمة الجمال وكيف وضعه في مرتبة أسمى بكثير من سائر مراتب الأشياء الأخرى , بل كيف جعل فنه مثالاً معقولاً يعلو على العالم المحسوس نفسه 0
وأما الاتهام الحقيقي للفن فهو ذلك الذي حملته لنا بعض الحركات الثورية في العصر الحديث إذ أصبح الكثيرون يعتبرون الفن مسئولاً عن فساد معظم المجتمعات , ولعل من هذا القبيل مثلاً ما فعلته حركة الإصلاح الديني في أوربا إذ راح أصحابها يدعون إلى استبعاد معايير الجمال من أجل الاقتصار على التمسك بقيم الأخلاق . وهذا أيضاً ما ذهب إليه المفكر الفرنسي" جان جاك روسو" فقد اتهم الفن بأنه مفسدة للأخلاق , وكأنما هو بدعة استحدثها المجتمع الصناعي ليدنس بها طهارة الطبيعة النقية الخالصة0
ثم جاءت الثورة الفرنسية فلم تعمل على ظهور فنان واحد 0 بل قدمت للعالم صحفياً واحداً عظيم الشأن هو " ديمولان" وأديباً واحداً كان يعمل في الخفاء هو " المركيزدي سادو" وأما الشاعر الوحيد الذي ظه في ظل الثورة الفرنسية فلقد لقى حتفه تحت المقصله 0 وبظهور حركة سان سيمون وأتباعه ظهرت دعوة جديدة هي المناداة بفن اجتماعي نافع0 وهكذا شاع بين أبناء ذلك العصر النداء القائل بأن " الفن للتقدم " وجرى هذا الاصطلاح على قلم الشاعر فيكتور هيجو ولو أن الدعوه لم تكسب على يديه أي حظ من النجاح 0

أما أنصار " العدمية " nihilisma من المفكرين الروس , فقد حملو على الفن باسم الثورة وهذا ما فعله مثلاً بيسارف حينما نادى بانحلال القيم الجمالية لحساب بعض القيم العلمية أو البراجماتية 0
ولقد أدان تولستوي الفن كله باسم الأخلاق المسيحية 0 وأما تماثيل فينوس و أبولو الرخامية الرائعة التي كان قيصر روسيا بطرس الأكبر قد استقدمها من إيطاليا ليزين بها حديقة قصره الصيفي الفخم في بطرسبرج فإن روسيا الثائرة لم تلبث أن أدارت لها ظهرها0 ولا غرابة في ذلك , فإن من طبيعة البؤس - كما يقول ألبير كامي - أن ينصرف الفرد عن مناظر السعادة والنعيم 0 لأن أمثال هذه المشاهد لا تولد في نفسه سوى مشاعر الحزن والشقاء0
ثم ينتقل ألبير كامي إلى الحديثعن " الأيديولوجية الألمانية " فبين لنا أنها لاتقل قسوة عن " العدمية الروسية " في حكمها على الفن , وحسبنا أن نرجع إلى الشراح الثوريين لكتاب الفيلسوف الألماني هيجل في " الفبنو منولوجيا "أو " فلسفة الظواهر " لكي نتحقق من أنهم أجمعوا على القول بأنه لن يكون ثمة فن في مجتمع المستقبل ما دام المجتمع الصالح المتوافق مع نفسه سيكون بالضرورة في غنى عن كل إبداع فني وحجة أصحاب هذا الرأي أن الجمال - في مثل هذا المجتمع - سوف يكون واقعاً معاشا لا مجرد صورة متخيلة وحينما يصبح الواقع حقيقة معقولة إلى أقصى حد فإنه سيكون هو الكفيل وحده بإشباع نهم الروح الإنسانية0
ولقد ذهب الماركسيون إلى أن الفن ليس ضرورة إنسانية يتطلبها كل عصر بل هو - على العكس -حاجة نسبية محددة بمطالب هذا العصر أو ذاك , وبالتالي فإنه يعبر عن القيم المفضلة للطبقة الحاكمة أو المسيطرة0 ومعنى هذا أن ليس ثمة " فن في ذاته " أو فن عام يصدق في كل العصور, بل هناك فنون نسبية موقوته , مشروطة بعصرها وظروف نشأتها 0 والفن الثوري الوحيد في نظر الماركسين, إنما هو ذلك الفن الذي يضعنفسه في خدمة " الثورة "هذا لأن الفن - على حد قولهم - حينما يخلق الجمال فإنه يضع العراقيل في طريق الجهد العقلي الأوحد, ألا وهو ذلك الجهد الذي نقوم فيه بتحويل التاريخ نفسه إلى جمال مطلق ! وهكذا نرى أن الرجل الروسي العادي بمجرد أن يصبح على وعي تام بحقيقة دوره الثوري لابد من أن يصبح هو المبدع الحقيقي للجمال النهائي الحاسم وعندئذ لابد أن يجئ الزمن فيعفى على ذلك الجمال الزائل الذي أبدعه رافاييل خصوصاً وأن هذا الجمال العابر لن يكون - بالنسبة إلى الإنسان الجديد - شيئاً مفهوماً على الإطلاق 0
يتبع...
ـ
ـ
ـ

الأخلاق وصلتها بالأدب , ونقده0 ( 3 / 3 )

هذا والأدب لا يتجاهل مواصفات الأخلاق , ولكنه يحاول أن يحل مقياساً مكان مقياس , فالعمل الأخلاقيفي كثير من الآداب الحديثة هو العمل الجميل في ذاته , لا العمل الذي يتواضع الناس على خيريته0

ومن هنا يصطدم كثير من الأدباء بآراء الهيئات الاجتماعية المحيطة بهم , والغالب أن ذلك لا يكون لإسفاف في طبيعة الأدباء , بل لاختلاف معاييرهم عن معايير عامة الناس 0والأدب شق للحجب ومحو للطلاءحتى تتكشف الإنسانية عن حقيقتها , وليس هناك خلق أبغض إلى رجال الأدب والفن والنفاق الاجتماعي 0 والأديب بفطرته لا يكره أن يكون ذا أثر في البشر , بل يسعى لإحداث هذا الأثر وهو عزاؤه الوحيد ,ولكنه يفطن بطبيعته إلى أن الأثر يكون أعمق كلما كان قصده إلى إحداثه غير مباشر , وهذا حق0وحتى في الأدب الوصفي يصح هذا الحكم 0
ومن الواضح أن الموضوعية في الأدب شيء لاتستطيعه طبيعة الأدباء , كما لاتستطيعه طبيعة الأدبفكل كاتب لا بد أن يحس في كتابته بعطف أو بغض لموضوع كتابته , وانما تتهلهل الكتابة عندما يفتضحالإحساس 0 والحياء شرط أساسي في الكتابة 0فالاحساس المسرف , والعاطفة " المطرطشة " خليقتان بأن تصرفا النفس عما تقرأ , والتبذل - حتى في الأثم -يذهب بالشعر فلا بد في الكتابة من شيء من الضباب , وليس هذا لأن الأخلاق تقتضي ذلك , فذلك مالا يعنيناهنا , وإنما لنترك للكتابة قدرتها على الايحاء 0
ومن مقاييس الجودة أن يزداد ما يضيفه القارئ إلى ما يقرأ , ولن يضيف إلا إذا ترك له الكاتب ما يضيف,والكتابة الجيدة كالأواني المستطرقة بين الكاتب والقارئ , وما أضعفه كاتباً يقف منه قارؤه موقفاً سلبياً , وإنيكن من العدل أن نقرر أن قدرة الكاتب على الإيحاء تزداد وتضعف بحسب قدرة القارئ الثقافية و العاطفية,فالقارئ المثقف الحساس هو الذي يستطيع أن يدرك ما يرقد تحت لفظ الكاتب من معنى وإحساس 0

ومن الثابت أن ما يتميز به الأدب عن غيره هو عنصر الإثارة 0 والعقلية الرياضية لاتمثل هذا العنصر ,ولذلك تمتاز دائماً ببرودها 0 وهي قد تجدي في الجدل الذي ينتهي إلى الإفحام0 ولكنها عديمة النفع في إدراكالمفارقات بين الأشياء ومميزاتها الدقيقة 0 والجدل لا يمكن أن ينتهي إلى إقناع 0 أو إلى كشف حقائق جديدة من واقع الفكرأو الإحساس , ولذلك قد تصل إلى الإفحام مستخدماً حقائق معروفة , وأما الإقناع فتأمين قلبي على صحة ما يقرأ , ومصدر ذلك التأمين دائماً هو تجارب كل منا الخاصة في الحياة 0

والوصف في الشعر لا يخضع لمعايير الأخلاق فلا يوصف بأنه أخلاقي أو لا أخلاقي , شأنه في ذلكشأن الكثير من أنواع التصوير والتفكير البشري , فالتفكير الرياضي مثلاً لا يحكم عليه إلا من ناحية الصحة والخطأ والوصف في الشعر يقاس بمعايير الجمال والدقة والقدرة على الإيحاء والتصوير والبعث في الجمال 0وفي اللغات الأوربية توجد صفات ثلاث بينما لاتملك العربية غير صفتين : أخلاقي ولا أخلاقي , بينما في الفرنسيةmoral immoral amoral أي أخلاقي ولا أخلاقي وبعيد عن الأخلاق 0

ومن هذا يتضح أن مذهب " الفن للفن " لايعارض الأخلاق , وإنما يسعى إلى خلق الجمال ذاته , وتحرير الفنون من اتخاذهاوسيلة للتعبير عن شخصية صاحبها , ولا أدل على ذلك من اتجاهه نحو الوصف 0 وكذلك الأمر في المذهب الواقعي , فهولا يناهض الأخلاق لأنه - وإن كان يحرص على تصوير الجانب المظلم المسف في طبائع البشر إلا أنه لا يخلو من حنوعلى هذا الجانب , فمظاهر البؤس البشري التي يتناولها الكتاب الواقعيون أحسبها أفعل في إثارة النفوس نحو الشهامة من كثي منأعمال البطولة المشرقة 0 والعبرة في الحكم على المؤلف الأدبي -من ناحية الأخلاق - بوجهة نظر المؤلف وإحساسه الذي يطالعك من ثنايا عرضه , أكثر من موضوع المؤلف والمادة التي صيغ منها 0 وتلخص العلاقة بين الأدب والأخلاق بأن الاتجاه العام في الآدابيسير نحو أمرين :
(1) فهم النفس البشرية وتحليلها 0
(2) خلق الجمال وتهذيب النفلوس بفضله0
وأما الوعظ والإرشاد فذلك ما أثبت الزمن فشله 0

الأخلاق وصلتها بالأدب , ونقده0 ( 2 / 3 )

ولسوء الحظ انتشر في مصر الفهم الخاطئ الذي أشرنا إليه بخصوص هذا المذهب , فأصبح المفهوم من مدلولهأنه المذهب الذي يعارض في أن يتقيد الأدب بالأخلاق والدعوة إليها , وهذا الخطأ يجب أن يحارب لأنه يؤدي إلى تبديد في مجهود من يكتبون مؤيدين أو معارضين مذهباً أدبياً يجب أن يتقيد الإنسان في فهمه بنشأته التاريخية مادمنا لسنا نحن مخترعيه 0

كما أن مذهب " الفن للفن " لا علاقة له بالأخلاق من حيث التقيد بفكرة أو محاربتها , فإنه كذلك لايمت بصلةإلى أدب الكفاح أو الأدب الاجتماعي , فهو لا يعارضه , وإنما يتعسف أحياناً بعض كتاب الاشتراكية فيهاجمونمذهب " الفن للفن " ظانين أن في ذلك صرفاً للأدب عن غايته , وأنه دليل أثره عند الكاتب وانصراف عناداء رسالته 0 والذي لا شك فيه أنه مع التسليم بأن الإنسانية في حاجة إلى عقول مفكرة وأقلام نافذة للدفاععن حقوقها المهدرة , إلا أن العقل الحر لا يستطيع أن يقبل التحكم مهما كانت دوافعه 0 وكما أن الإنسانية بحاجة إلى من ينتصف لها من الظلم , ومن ينتصف لها من الجهل , فهي بحاجة إلى من ينتصف لها من الألم , ومن ينتصف لها عن غلظ الذوق 0 وفي " الفن للفن " ما يصرف الإنسان عن نفسه فيلهبه عن بعض ألمه , كما أن فيه ما يهذب إحساسه فيرقق من سماجة ذوقه 0 وتلك خدمات إنسانية لا شك فيها , بل ربما كانت أبعد أثراًفي الشخصية البشرية مما تظن , لما هو واضح من أن شدة الألم تشل حتى القدرة على الإنتاج المادي , كما أنغلظ الذوق خليق - لا بأن يشل الحياة الإجتماعية فحسب - بل وبأن يفقر حياة الأفراد 0
وليس معنى " الفن للفن " أن يخلو الأدب من موضوع وذلك لأنه ليس التفكير أو العاطفة هما الموضوعان الوحيدان اللذان يصلحان مادة للأدب , بل هناك إلى جانبهما كافة معطيات الحواس التي نتلقاها من الخارج وبخاص والمرئيات 0 وبإدمان التأمل لآيات الطبيعة التي تحيطنا لابد من أن ينتهي الكاتب أو الشاعر - إذا وهبه الله قوة الخيال ومقدرة في الانفعال - إلى أن تختلط هذه المعطيات بشخصيته البشرية 0 وإلى هذا المعنى أشار الشاعرالفرنسي " بودلير" بقوله : ( إن الأشياء تفكر خلالي كما أفكر خلالها )0ولقد اتضحت تلك الحقيقة في اللغات ذاتها على سبيل المجاز0 ولنأخذ لذلك مثلاً يتبادر إلى الذهن هو قولنا" إن الرياح تئن في رؤوس الأشجار " فالفعل يئن " فعل بشري " وإنما استعملناه لنخلع على الأشياء صفة الإنسان فتمازجنا ونمازجها وبذلك نفلت من سجننا الخاص 0

هذا ويتجه الأدب الحديث إلى فهم النفس البشرية وإلقاء الضوء على خفاياها, فهو أدب تحليل أكثر منه أدب توجيه , ولربما كان في ذلك خير الأدب , لأنك لا يمكن أن تخدم الأخلاق بشيء أكثرمن فهم النفس البشرية , فمهما كنت قاسي الطبع , فإنك لاتملك الا أن تسامح عندما تدرك ما تستهدف له الطبيعةالبشرية من شهوات وأهواء 0 وفي استطاعتنا دائماً أن نحب الخير ونمقت الشر دون أن يمنعنا ذلك من فهمهما , ولا يضعف هذا الاتجاه من التعليق بمثل الخير , بل لعلها تزداد سموا0 فأنت عندما تلقي البطولة وسط ما يحل بالبشرية من مخاطر , وتدرك مدى خطرها على الإنسانية واستهدف تلك الإنسانية لها - لاتملك إلا أن تزداد إعزاز لتلك البطولة, فيصبح تقديرك لها عن بينة ووعي بقدرها , وإلا كانت بطولة لا فضل فيها للإنسان أكثر مما للكلب في الأمانة وما للأسد في الضراوة 0

أرشيف